ابن قتيبة الدينوري
38
الإمامة والسياسة ( بيروت )
وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا [ ( 1 ) ] ، حتى توافي الناس عنده قدر ما يظنّ أنه يقدر على قتال عبد اللَّه بن الزبير ، وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين فسار الحجاج من الطائف ، حتى نزل منى ، فحجّ بالناس وعبد اللَّه بن الزبير محصور بمكة ، ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس [ ( 2 ) ] ، ونواحي مكة كلها ، فرمى أهل مكة بالحجارة ، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها ، جمع عبد اللَّه بن الزبير القرشيين ، فقال لهم : ما ترون ؟ فقال رجل منهم من بني مخزوم : واللَّه لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا ، لئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت معك ، وإنما هي إحدى خصلتين : إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك ، وإما أن تأذن لنا فنخرج . فقال عبد اللَّه قد كنت عاهدت اللَّه أن لا يبايعني أحد ، فأقيله بيعته إلا ابن صفوان . قال ابن صفوان : واللَّه إنا لنقاتل معك ، وما وفيت لنا بما قلت ، ولكن خذني لحفيظة أن لا أدعك عند مثل هذه حتى يموت معك . فقال رجل آخر : اكتب إلى عبد الملك . فقال له عبد اللَّه : وكيف ؟ أأكتب إليه : من عبد اللَّه أبي بكر أمير المؤمنين ، فو اللَّه لا يقبل هذا مني أبدا ، أم أكتب إليه : لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد اللَّه بن الزبير ، فو اللَّه لأن تقع الخضراء على الغبراء أحبّ إليّ من ذلك . قال عروة أخوه وهو جالس معه على السرير : يا أمير المؤمنين ، قد جعل اللَّه لك أسوة . 255 فقال عبد اللَّه : من هو أسوتي ؟ قال : الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، خلع نفسه وبايع معاوية . فرفع عبد اللَّه رجله وضرب عروة حتى ألقاه ثم قال : يا عروة ، قلبي إذن مثل قلبك ، واللَّه لو قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا ، وقد أخذت الدنية ، وما ضربة بسيف إلا مثل ضربة بسوط [ ( 3 ) ] ، لا أقبل شيئا مما تقولون . قال : فلما أصبح دخل على بعض نسائه فقال : اصنعي لي طعاما ، فصنعت له كبدا وسناما . قال : فأخذ منها لقمة فلاكها ساعة ، فلم يسغها فرماها ، وقال : اسقوني لبنا ، فأتي بلبن فشرب ، ثم قال هيئوا لي غسلا ، قال : فاغتسل ، ثم تحنط وتطيب ، ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول : ولا ألين لغير الحقّ أسأله * حتى يلين لضرب الماضغ الحجر
--> [ ( 1 ) ] أي قطعة بعد قطعة ، أو جماعة بعد جماعة . يريد أنه تتالى إرسال الجيوش إليه ، ربما حتى بلغت 20 ألفا كما ورد عند اليعقوبي . [ ( 2 ) ] أبو قبيس : جبل بمكة ، سمي باسم رجل من مذحج حداد ، لأنه أول من بنى فيه . [ ( 3 ) ] في العقد الفريد : وإن ضربة بسيف في عز خير من لطمة في ذل .